الأمين العام للجماعة یبین الرسائل الأخلاقية والتعاليم الواردة في سورة النمل
في اجتماع المقر الإداري لجماعة الدعوة والإصلاح في طهران، أوضح الأمين العام للجماعة الدور المحوري للإيمان بالآخرة والتوكل على الله للسیطرة علی السلوك البشري والثبات على طريق الحق، مستشهداً بآيات من سورة النمل المباركة، موضحاً معجزة عصا النبي موسى عليه السلام.
طهران – موقع إصلاح للمعلومات
وفيما يلي تفاصيل كلمة الأستاذ عبد الرحمن بيراني، الأمين العام لجماعة الدعوة والإصلاح، في اجتماع المقر الإداري:
أبدأ تأملاتي مستلهمًا من آيات من سورة النمل؛ تبدأ سورة النمل بحروف "طس" ثم تقول: "تلك آيات القرآن وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين". ثم تصف بعض صفات المؤمنين: "الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم یوقنون". وفي هذه الآيات، يبدأ القرآن الكريم بدايةً مدروسة؛ فبعد أن يُعرّف بنفسه بأنه "آيات القرآن" و"الكتاب المبين"، يتحدث مباشرةً عن الهداية والعمل واليقين بالآخرة. وكأنه يُعلّمنا أن هذا الكتاب يُظهر أثره الحقيقي والهداية في حياة الإنسان عندما يجمعه بالإيمان والعمل والشعور بالمسؤولية في الدنيا والإيمان بالمحاسبة في الآخرة. ومن منظور القرآن الكريم، لا يُعدّ الإيمان مسألةً ذهنيةً ونظريةً بحتة، بل يجب أن يُظهر أثره في سلوك الإنسان وفي حياته. فالصلاة والزكاة واليقين بالآخرة كلها عناصر مترابطة؛ أي أن الإيمان الحقّیقي مرتبط بعلاقة الإنسان بربه، ومسؤوليته تجاه مجتمعه، وشعوره بالمسؤولية أمام الله يوم القيامة. وبعد وصف آيات القرآن، تشير سورة النمل إلى أن هذا الکتاب أُنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فتقول: «وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ»؛ أي أن عمله قائم على الحكمة، وعلمه شامل لكل شيء. ومن هذا المنطلق، يُعدّ القرآن كتابًا أنزله الله الحكيم العليم، وغايته هداية الإنسان وإرشاده إلى الحق.
الإيمان بالآخرة: قوةٌ لضبط النفس
علاوة على ذلك، تؤكد سورة النمل على حقيقةٍ أخرى بالغة الأهمية، ألا وهي دور الإيمان بالآخرة في حياة الإنسان. فالإيمان واليقين بالبعث ليسا مجرد اعتقادٍ بالمستقبل، بل هما رادعٌ وقوةٌ روحيةٌ للسیطرة علی سلوك الإنسان، وكبح جماح شهواته، وتجنب الشر والرذيلة. يقول القرآن الكريم: «إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ»؛ تُعبّر هذه الآية عن مغزى عميق. فمن منظور القرآن الکریم، عندما يضعف الإيمان بالآخرة والشعور بالمسؤولية أمام الله في نفس الإنسان، قد لا يرى بشاعة بعض أفعاله، بل قد تبدو له حتى أفعاله الخاطئة جميلةً ومرغوبة. أما الإنسان المتيقن بالله وبيوم القيامة، فيعلم أنه مسؤولٌ عن خياراته وسلوكه، وأنه سيُحاسب أمام الله يوماً ما. لذلك، فإن الإيمان بالآخرة ليس مجرد اعتقادٍ عقلي؛ بل هو اعتقاد ينبغي أن يؤثر في سلوك الإنسان. فالمؤمن يعلم أن حياته ليست عبثية، وأن لكل فعلٍ أو سلوكٍ حكمةٌ وتدبيرٌ، وأن الله يعلم كل شيءٍ ويحاسبه. وأما إذا فقد الإنسان الإيمان بالآخرة والحساب فتبدو له الأفعال الخاطئة جميلةً ومرغوبة، والشرور والنجاسة جميلةً ومرغوبة. وقد وصف القرآن الكريم نتيجة هذا المسار على النحو التالي: «أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ»
قصة موسى (عليه السلام)
بعد هذه المقدمة، تحکی لنا سورة النمل في الآية السابعة جزءا من قصة النبي موسى (عليه السلام). وكان موسى (عليه السلام) عائدًا إلى مصر مع أهله بعد أن قضى سنوات في مدين. وفي ليلة مظلمة، في طريق عودته، رأى موسى نارًا من بعيد. فقال لأهله: «إِنِّي آنَسْتُ نَارًا»؛ ثم قال: «سآتيكم من هناك ببشارة، أو سآتيكم بنار متقدة لتدفئوا أنفسكم». والجدير بالذكر أنه في ذلك الوقت، كان الناس يشعلون النيران أحيانًا على قمم التلال وعلى طول طرق القوافل لمساعدة المسافرين أو تزويدهم بمعلومات صحيحة عن الطريق، وذلك لمساعدة القوافل وتلبية بعض احتياجاتها. ظن موسى (عليه السلام) أنه ذاهب ليجد الطريق أو ليأتي بلهيب من النار؛ لكنه لم يكن يعلم أن ما ينتظره ليس نارًا عادية، بل بداية مهمة عظيمة ورسالة تاريخية. اتجه نحو تلك النار، وهناك سمع نداء ربه. قال الله: "طوبى لمن في النار ولمن حولها، وسبحان الله رب العالمين". ثم قال: "يا موسى، إني أنا الله العزيز الحكيم". لا شك أن هذه اللحظة من أهم لحظات حياة موسى. فالرجل الذي جاء ليبحث عن النار والأخبار، يواجه الآن نداء من رب العالمين، وتُلقى على عاتقه مهمة عظيمة.
العصا؛ الآية العظيمة الأولى
ثم قال الله لموسى عليه السلام: "وألقِ عصاك". فألقى موسى عصاه؛ ولكن حدث أمر عجيب: «فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ»؛ فخاف موسى عليه السلام من هذا المنظر. فقال له الله: "يا موسى، لا تخف". وتابع: "«إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ»؛ ومن الواضح أن خوف موسى لم يكن نابعًا من عدم اليقين، بل كان رد فعل طبيعيًا لرؤية كائن مخيف فجأة. ولكن في تلك اللحظة بالذات، طمأنه الله وأكد له أن مهمته من الله، وأنه تحت إرشاده ودعمه في هذا الطريق. وهذه نقطة بالغة الأهمية: في هذا السياق، من الضروري أن نتذكر أن موسى عليه السلام سيواجه لاحقًا فرعون، وقوته السياسية والعسكرية، وسحرته. لذلك، قبل دخول هذا المجال الخطير والمهم، يجب أن يتمتع بالثقة والهدوء اللازمين وأن يعلم أن المهمة التي أوكلها الله إليه مصحوبة بالهدایة والدعم الإلهي.
ما هي فلسفة معجزة العصا، ولماذا العصا تحديدًا؟
والآن يتبادر إلى الذهن سؤال: لماذا اختار الله عصا موسى من بين كل هذه الوسائل؟ لماذا تحولت عصا بسيطة وعادية إلى آية خارقة؟ هنا، يبدو من الضروري ذكر بعض النقاط.
1. إظهار قدرة الله المطلقة
الرسالة الأولى لهذه المعجزة هي إظهار قدرة الله تعالی؛ فبأمره، تحولت عصا بسيطة هامدة إلى كائن حي متحرك. ويتابع الله: «سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ» أي سنردها إلى حالتها الأصلية. يذكرنا هذا المشهد بأن ما يبدو مستحيلاً لنا ممكن ومتاح أمام قدرة الله. تعلمنا المعجزة أن الوسائل والأدوات ليست بمعزل عن الله؛ لأن الله هو خالق الطبيعة وحاكم قوانين الکون ولذلك، لم تكن القوة والفعالية الحقيقية في العصا نفسها؛ بل كانت العصا هي الوسيلة الوحيدة، وكان التأثير الحقيقي من الله.
2. الفرق بين السحر والمعجزة
النقطة الثانية هي الفرق بين السحر والمعجزة وكان من المفترض أن يواجه موسى (عليه السلام) فرعون وسحرته. ولذلك كان من الضروري وجود علامة إلهية لإثبات حقيقة رسالته. ومن ناحية أخرى، دخل سحرة فرعون إلى الميدان بحبالهم وعصيهم. يقول القرآن عنهم: «سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ». ولكنه في المقابل يقول عن معجزة موسى: «وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ» وهنا يظهر الفرق بين السحر والمعجزة. ومن ناحية، كان سحرًا وخداعًا لإدراك الناس، ومن ناحية أخرى، كان علامة إلهية وحقيقة غير عادية. فمن ناحية كان شيئًا صنعه السحرة ودفعوا ثمنه، ومن ناحية أخرى كان شيئًا متحققًا بأمر الله. ويعبر القرآن عن هذا المشهد بعبارة قصيرة ومعبرة جداً: «فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».
3. لماذا أدرك السحرة الحقيقة؟
هنا يبرز سؤال آخر: لماذا أدرك السحرة الحقيقة قبل كثيرين غيرهم؟ من النقاط الجديرة بالتأمل أنهم كانوا بارعين وملمين بأساليب السحر والتأثير على إدراك الناس وكانوا يعرفون كيف يؤثرون على أعين الناس وإدراكهم بالسحر. لكن ما رأوه من موسى لم يكن كما رأوه هم أنفسهم. ولهذا السبب، سجد السحرة أنفسهم الذين جاؤوا إلى الساحة لهزيمة موسى فجأة أمام الله وقالوا: "آمنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهارُونَ". هذا أحد أروع المشاهد في هذه القصة: أحضر فرعون السحرة ليثبت سلطته، لكن الله جعلهم شهودًا على هزيمته. أولئك الذين كان من المفترض أن يكونوا أدوات لسلطة فرعون أصبحوا شهودًا على الحقيقة.
٤. هزيمة قوة فرعون الظاهرية
كان لفرعون سلطة وكانت لديه حكومة وجنود وموارد وكان لديه سحرة تحت إمرته. والأهم من ذلك، أنه كان يسيطر على الشعب بالخوف والترهيب. لكن الله أراد أن يُظهر أن القوة الظاهرية لا تُقارن بقوة الله الحقيقية. وأمام قوة الله، يمكن لكل ذلك الجلال والمجد الظاهري أن ينهار. عصا بسيطة كانت في يد راعٍ لسنوات، أصبحت في لحظة رمزًا للقوة الإلهية، وتحدّت إحدى أعظم القوى الظاهرية في ذلك الوقت وسُجّلت هذه الرسالة إلى الأبد في التاريخ: القوة الحقيقية ليست في الأدوات والوسائل؛ بل في مالكها وخالقها والقوة الحقيقية ليست في الوسائل؛ بل في الغاية من الوسائل.
٥. لماذا اختار الله العصا؟
كانت العصا أداة عادية تمامًا بالنسبة لموسى (عليه السلام). عندما سأله الله: «وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ؟» أجاب موسى: «هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ». إذن، نحن نتحدث عن أداة عادية تمامًا، كانت جزءًا من حياة موسى اليومية. من هذه الآيات، نفهم أن الله حوّل أداة عادية في يد موسى إلى آية خارقة ليُبيّن أن التأثير الحقيقي ليس من الأداة، بل من الله؛ أي أن الطبيعة الخارقة للمعجزة ليست من العصا، بل من قدرة الله.
٦. العصا: من أداة عادية إلى رمز إلهي
العصا التي كانت في يوم من الأيام وسيلةً لدعم موسى، العصا التي كان یرعی بها الغنم، العصا التي كانت أداةً عاديةً تمامًا في حياته، أصبحت رمزًا للقدرة الإلهية بأمر من الله. وفي وقت لاحق، لعبت هذه العصا نفسها دورًا في أحداث مهمة أخرى من مهمة موسى؛ بما في ذلك حادثة البحر وحادثة غليان الماء من الصخرة. هذه النقطة تحمل رسالةً مهمةً لحياتنا أيضًا. ففي بعض الأحيان، تُحقق نجاحات عظيمة في حياة الإنسان بأدوات بسيطة ووسائل متواضعة نسبيًا؛ لأنه في المنطق التوحيدي، لا تعتمد عظمة الأثر دائمًا على عظمة الوسائل الظاهرة. فإذا كانت الإرادة الإلهية والتوفيق وراء العمل، حتى الوسائل الصغيرة يمكن أن تصبح مصدرًا لأثر عظيم. لذلك، لا ينبغي لنا دائمًا ربط عظمة الهدف بعظمة وسائلنا. المهم هو أن نفهم واجبنا فهمًا صحيحًا، وأن نؤديه بإخلاص، وأن نستخدم الوسائل المتاحة، وأن نتوكل في النهاية على الله. عصا موسى تُعلمنا أن الله قد يحول أداةً عاديةً تمامًا إلى رمز عظيم. قد يبدو ما بين أيدينا صغيراً، ولكن إذا استخدم بالطريقة الصحيحة ومع الثقة بالله، فإنه يمكن أن يكون مصدراً لأعمال عظيمة.
الكلمة ألاخيرة
إن قصة موسى عليه السلام في سورة النمل ليست مجرد قصة معجزة، بل هي قصة إيمان ورسالة وخوف وهدوء وقوة ومسؤولية وتوكل. يتحدث القرآن الكريم أولاً عن الإيمان واليقين بالآخرة، ثم يأخذنا مع موسى عليه السلام، الرجل الذي سعى وراء النار في ظلام الليل، فعاد برسالة إلهية ومهمة عظيمة. اقترب من النار، فاستقبله نور الهداية. كان يحمل عصا بسيطة في يده، لكن الله حوّلها إلى آية عظيمة. ولعلّ مغزى هذه القصة لنا هو أن عظمة الأداة ليست هي العامل الحاسم في الحياة، بل المهم هو الإخلاص في الطريق، وأداء المسؤولية، والتوكل على الله. وقف موسى بعصاه في وجه قوة فرعون العظيمة، ولكن وراء تلك العصا كانت قوة الله. لذلك، لا ينبغي للمؤمن أن يفكر فقط في حدود إمكانياته الظاهرة؛ بل عليه أن يرى المسار الذي يسلكه، والنية التي يسعى إليها، ومن يثق به. وما أجمل أن نختم کلمتنا بهذه الحقيقة التي لا جدال فيها: القوة الحقيقية ليست في الأسباب، بل في مُسبِّب الأسباب.
والسلام علیکم و رحمة الله و برکاته.

الآراء